محمد أبو زهرة

2138

زهرة التفاسير

ثانيها - أن الله تعالى خص بني إسرائيل بالذكر مع أن القصاص شريعة عامة لم يخل منها دين من الأديان السماوية بل لم تخل منه شريعة وضعية على انحراف في تطبيقه ، أو إهمال في العدالة فيه ، والنفوس التي انحرفت عنه في الأيام الأخيرة قد غلب عليها هواها ، فغلبت عليها شقوتها ، وعرضت الجماعات فيها لأعظم المخاطر من عدوان الأشرار . فلما ذا خص الله تعالى بني إسرائيل بالذكر مع أنه مفروض قبلهم ، ومفروض بعدهم ، والجواب عن ذلك نتلمسه ، ولا نجد نصا يدل عليه ، ونقول في ذلك والله أعلم بمراده : إن التوراة فيما بقي منها هي الكتاب الذي اقترن هو والإنجيل بالقرآن زمنيا ، فالقرآن جاء مهيمنا عليها ، ومصدقا للصادق منهما ، فذكر بني إسرائيل دليل على أنه مفروض علينا بحكم الاقتران الزمنى ، وبحكم أن هذا المبدأ الخالد قرره القرآن ، وجدده في مثل قوله تعالى : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ . . . ( 45 ) [ المائدة ] وفوق ذلك ما يزال هذا المبدأ باقيا في التوراة ولم يندثر فيها ، مع أنهم حرفوا ما حرفوا ، والأنبياء الذين سبقوا يعقوب ، وليست كتبهم قائمة في أيدي الناس في عصر التنزيل ، كما بقيت التوراة مع تحريفهم فيها الكلم عن مواضعه - وكانت شريعة القصاص باقية بعد هذا التحريف . ثم إن بني إسرائيل قد كتبت عليهم شريعة القصاص كما كتبت على غيرهم من قبلهم ومن بعدهم ، ومع ذلك هم أشد الناس إسرافا في قتل الأبرياء والأطهار ، وما أشبههم في قتلهم أنبياءهم ودعاة الحق بقابيل الذي قتل أخاه هابيل ، فهو قتله لما ظهر فيه من خير ، وهم قد قتلوا أنبياءهم ، لأنهم دعوهم إلى الخير . ثالثا - أن الله تعالى عندما بين شريعة القصاص ، قد ذكر الباعث عليها ، وحكمتها ، وما يؤدى إليه تنفيذها ، واكتفى ببيان ذلك مكتفيا بما فصلته شرائع النبيين فيها ، وما أتت به من بينات ؛ ولذلك قال تعالى :